الاصداراتالتنمية الاجتماعيةمقالات

المثقف وثورات الربيع العربي

سجال الدور وتطوراته

يستمر مركز برق الاستشاري في  السلسلة الفكريّة التنويريّة، عن علاقة المثقف بِـالمجتمع، ودوره المأمول في بناء تكوينه الثقافي، من خلال فاعليّة المثفق في فَهم وإفهام الإشكاليات التكوينيّة في العقل الجمعي السياسي للبيئات المتأثرة بِـ اهتزازات الخروج على الأنظمة الاستبداديّة في الشرق الأوسط.

 

    شكلت انطلاقة الثورات العربية أو ما أُصطلح على تسميتها بـ “ثورات الربيع العربي” في نهاية العام 2010 نقطة محورية ولحظة تاريخية في حياة الشعوب والدول العربية على السواء، فقد أسَّست لمرحلة جديدة تختلف عما قبلها وأثرت سلبًا وإيجابًا على الصعيدين الداخلي والخارجي للدول العربية بأبعاد مختلفة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا وأمنيًا. وفي عصر الثورات لا شيء يبقى على حاله، كونها تشكل اختبارًا نفسيًا وأخلاقيًا لمختلف الأطراف المنخرطة في تفاعلاتها لا سيما على المستوى الداخلي من نخبة حاكمة أو طبقات محكومة، ويبدو الجميع مسكونًا بآلامها وآمالها، ولا يخرج المثقف عن نطاق هذهِ الثورات من حيث التأثير والتأثر([1]).

العلاقة بين المثقف والثورة

     إذا كان المثقف يسعى للتغيير نحو الأفضل للمجتمع ونقد الأوضاع السلبية التي تحيط به -كإحدى مهامِّه-، فإن الثورة هي التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي في أحد تجلياتها ومضامينها. ويُعد أحد أنواع المثقفين هو المثقف الثوري الذي يوصف بأنه النمط المسكون برغبة التغيير والرافض لكل أدلجة جاهزة، إذ يحاول الإجهاز على المعطى الجامد وبغيته الكشف عن حدود الالتباس في كل المفاهيم الصورية المنجزة أو المنتجة من قبل السلطة([2]).

    وينظر المثقف الثوري إلى حالة الثورة إذ حيثما وقعت ينضم إليها، وهذا الفعل مرتكزًا على منطلقات ثلاثة: الأول تحليلي نظري مبنيًا على استنتاج أن واقع النظام السياسي لا يسمح بالتغيير التدريجي الإصلاحي من دون ثورة. والثاني: لأن الثورة على نظام الاستبداد هي فضيلة ضد الظلم، أمَّا الثالث: فهو يهدف به تحقيق القدرة على التأثير في الثورة نفسها عند انخراطه فيها، ويحافظ المثقف الثوري على مسافة نقدية سواء على النظام أو على الثورة أيضًا، وتكون لديه الجرأة على نقد الجمهور وليس مواجهة النظام فحسب، مع أنَّ ممارسة نقد الجمهور مهمة صعبة في لحظات الثورة([3]).

    ولا يخفى أن الثورات هي أكبر من المثقفين وذلك لا يعني أنهم لا يحتلون مكانة مهمة بين المؤثرين في الثورات واندلاعها، إذ أنَّ هناك من يرى أن العلاقة وطيدة بين المثقف والثورة وأنه بالرغم من أنَّ دور المثقف قد لا يكون كبيرًا في اندلاع الثورات بيْد أنه يكبر مع الثورة من حيث كونه هو الموجه لها في النهاية، وتصل الحماسة لدور المثقف ببعضهم إلى المجاهرة بالقول إنه: “بدون المثقف لم تشتعل أي ثورة رئيسة في التاريخ الحديث، وفي المقابل لم تقم أي حركة مضادة للثورة بدون المثقفين، فالمثقفون هم آباء الحركات وأمهاتهاوأنه على الرغم من تواطؤ عدد من المثقفين مع الأنظمة إلاَّ أنه من غير الممكن إهمال ما بذلته النخب عبر عقود من النضال في الفكر والسياسة وما تراكم من ذلك، ما يعني أن النخب والمثقفين هم الذين فعّلوا الميادين على الرغم من أنَّ لكل ثورة نخبها، لأن الثورات أكبر من أن تترك السياسيين يتدبرون أمرها([5]).

سجال الدور

    أدخلت الثورات العربية دور المثقف بها في سجال حول إن كان للمثقف العربي دور في انطلاقة هذهِ الثورات أم لا، فتعددت الآراء وكثرت المقالات لتنقسم على اتجاهين متناقضين: ذهب الأول: إلى عدم وجود أي دور للمثقفين في الثورات العربية كونها قد عرّت الواقع المر الذي ترزح تحت وطأته الأمة وكشفت العديد من الحقائق التي أُخفيت قسرًا طوال عقود من الاستبداد، ورفعت الحجاب عن حقيقة النخب المثقفة التي فاجأتها شرارة اشتعال الثورات العربية التي لم يكن لهم أي مساهمة في صنعها وتوجيهها بقدر ما كشفت الهوّة التي تفصل هذهِ النخبة عن الجماهير وغربتها عن المجتمع الذي يفترض أن يكون محل اهتمامها ومجال نشاطها([6]). وأنَّ هذهِ الثورات جاءت يتيمة بلا مثقفين يسهرون على التخطيط والتأطير لتحقيق التغيير المنشود منها سواء على صعيد تغيير الأنظمة أم في الجوانب العلمية والأدبية التي تعيش انتكاسة منذ قرون أضحى فيها حاضر الشعوب العربية ومستقبلها بأيدي غيرها بعدما نفض العالم يده من كل ما هو عربي، وأن المثقف العربي غاب عن مشهد الثورات في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، لأنه نسي رسالته الإنسانية وربط نفسه بالأنظمة الدكتاتورية التي رحلت وسترحل وتترك له تركة ثقيلة ووزر الدماء التي أراقتها تلك الأنظمة في ظل تأييده لها طوال سنوات حكمها([7]). وأنَّ غياب المثقف العربي وتأثيره الفاعل في مشهد الثورات يعزى أيضًا إلى أن العديد من الدول رمت الثقافة الواعية والمنصفة في مجاهيل وزوايا النسيان وحاصرت هذهِ الثقافة وقمعتها واضطهدت المثقفين، وتعاملت الحكومات معهم بصورة غير منتجة للثقافة الحقيقية وصنعت ثقافات معوقة ومشوهة غير قادرة على التغيير الحاسم، ولم تترك هامشًا صغيرًا كما في الدول المتقدمة([8]). وبذلك حسب هذا الاتجاه فقد هزم الفعل التاريخي للثورات العربية خطاب المثقفين العرب، من دون أن يكون لخطابهم دور فيها([9]).

   أما الاتجاه الثاني: فقد ذهب صوب الإقرار بوجود دور مؤثر للمثقفين في انطلاقة الثورات العربية، وأن المثقفين العرب قدموا الكثير على الرغم من تعثرهم والصعوبات التي لاقوها، وأن الثقافة العربية تبقى ساحة للنضال العربي وقد تنبأ العديد من المثقفين بقيام هذهِ الثورات ومنهم الشعراء والكُتَّاب الذين حذروا من غضب الشعوب، ومهدوا للثورات بكتاباتهم ومقالاتهم وقصائدهم وكشفوا النقاب عن جرائم الفساد التي يرتكبها رجال الأنظمة المستبدة، وأن الثقافة هي التي قادت قطار التغيير في العالم العربي([10])، وأن الفعل الثوري الاحتجاجي أُطر سياسيًا وصارت له عناوين وشعارات يطالب بها الشباب المثقف الواعي الذي تشرب قيم الحرية والديمقراطية، وارتكز على مخزن فكري نقدي كان للمثقفين العرب الفضل في تراكمه عبر سنوات طويلة حلموا فيها بالإصلاح والتغيير الديمقراطي وسعوا للحرية بغية أن تكون السبيل المناسب للرقي بالمجتمعات والشعوب([11]).

    ولعل الاتجاه الثاني في هذا السجال وتعدد الآراء هو الأكثر صوابًا حتى لا يغمط حق المثقفين الذين سعوا وعملوا لانطلاق شرارة هذهِ الثورات.

مواقف المثقفين العرب من الثورات

   وضعت الثورات العربية المثقفين العرب أمام اختبار لا مجال لهم من دون تجربته، وكان لزامًا عليهم تحديد موقفهم منها، وبالرغم مما وضع من تصنيفات لمواقف المثقفين العرب من هذهِ الثورات([12]). إلاَّ أن الثورات هي فعل رافض للظلم لا يجوز الحياد بشأنه والانحياز إليه هو من باب الفضيلة، وأن جميع من انتظر لحظة هذا الفعل فهو منحاز إليه([13]). من هنا تتقلص إمكانية تصنيف مواقف المثقفين فإما مع الثورة أو ضدها، الأمر الذي يدفعنا إلى تحديد ثلاثة مواقف للمثقف العربي من الثورات كانت أكثر وضوحًا من غيرها، تتمثل بــ:

  • مناصرو الثورات، وهم المثقفون الذين انخرطوا بصورة مباشرة في مسار تشكل الثورات العربية، والمثقف من هؤلاء يمكن عدّه بالمثقف العضوي حسب تعبير غرامشي، الذي يسعى لإنجاح المشروع السياسي والمجتمعي الخاص بالكتلة التاريخية للمجتمع، وهو ما كشف مسار الثورات العربية من التزام هذا النوع من المثقفين العرب بقضايا المجتمع والشأن العام والانسجام مع اختيارات الشعوب عبر انخراطه في الحراك الاجتماعي والمشاركة في النقاش السياسي والنزول إلى الميادين، وتظهر الثورات التونسية والمصرية والسورية أحد النماذج لهذهِ الفئة المثقفة المستقلة، فضلًا عن سعيها لتأسيس هيئات سياسية ومدنية تعبيرًا عن هذا الانخراط في الأحداث السياسية مثل تشكيل مجلس الثورة المعارض لنظام الأسد، الذي ضم في بدايته عددًا من النخبة المثقفة([14]).

   وشارك العديد من المثقفين التونسيين في نصرة حراك المواطنين عبر المشاركة الفعلية في المظاهرات والاعتصامات وفي الكتابة الحماسية عن الثورة في الصحف المحلية والعالمية والدفاع عن الثورة التونسية وشرعية مسوغاتها([15]). كذلك الحال بالنسبة للثورتين المصرية والسورية التي شارك فيها المثقفون بطرق سلمية مختلفة ورافقوا الثورة بالمشاركة في المظاهرات والاعتصامات والإسهام في التحليل الفكري والسياسي للأهداف والآفاق المتاحة أمام الثورة والنقد المستمر لأوضاعها في ظل تعقد مسارها، واستمر بمناصرة الثورة بإيمان مطلق بأهدافها([16]).

  • معارضو الثورات، وهم المثقفون الذين وقفوا إلى جانب الأنظمة الدكتاتورية ضد الثورات ومنهم كُتَّاب وصحفيون وشعراء ورجال دين وهؤلاء هم من مثقفي السلطة و “علماء السلطان”، وأغلب هؤلاء مهمة التغيير عندهم تؤسس على منظور السلطة الحاكمة وما يخدم أهدافها السياسية، من خلال التسويغ الثقافي لما تقوم به من أعمال، وقد كشفت زيفهم الثورات العربية بشكل واضح، وهذهِ الفئة تؤسس مشروعها الثقافي على جلباب الحاكم، ومنه رأت أن الحراك الشعبي هو تمرد وعصيان اجتماعي فاقد للشرعية وخروج عن الحاكم الواجب طاعته وأن الحراك نوع من الفتنة الواجب صدها([17]). وهؤلاء المثقفون حلو حلولًا صوفيًا في شخص الدكتاتور السياسي، وذلك يتبنى أطروحاته والدفاع عنها حد الاستماتة، ويسوغون أحكام السلطة التدميرية ضد المعارضين والشعوب بشكل عام على أنها من حق الحاكم كونه “مفوض إلهيًا” وأن معارضيه مخالفون “للإرادة الإلهية” فيحق له إبادتهم، ويدرج في هذهِ الفئة مثقفون دينيون “مفتو السلطان” ومثقفون علمانيون “يساريون ويمينيون”([18]) وتبنى هؤلاء نظرية المؤامرة التي روجت لها الأنظمة المتداعية في محاولة استباقية ووقائية لنجاتها من “تسونامي” الشعوب الثائرة، والسعي لتشويه الثورات الشعبية والتندر على “الربيع العربي” وإلصاق تهمة المؤامرة عليه([19]). وردد هؤلاء الرواية الرسمية للأنظمة وروجوا لها باعتبار أنَّ المعارضة ورجال الثورات هم جماعة مخربة وأخرى إرهابية تنفذ أجندات القوى الاستعمارية الغربية الصهيونية، وهذا الأمر يؤشر بشكل جلي عن تنازل مثقفي السلطة والحكام عن نظام المعرفة في استقصاء الحقيقة والتحيز لمبادئ الحرية، والانخراط في جبهة الدفاع عن الحُكَّام بدلًا من الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات العامة. وهؤلاء لم يدركوا أهمية المسؤولية الأخلاقية([20]) التي يستوجب أن يلتزم بها المثقف كأحد أهم الشروط التي تبقيه في فئة المثقفين أو تخرجه منها في حال عدم الالتزام بها.

  دافعت هذهِ الفئة عن الديكتاتوريات العربية بحجج واهية في خضم صراعات مع المعارضات الناشئة؛ منها أن البديل لهذهِ الدكتاتوريات متحالف مع الغرب، أو إسلامي “رجعي”، ليصبح هذا التحليل الدفاعي عن الأنظمة أداة لآلة القتل الوحشية والتعذيب وتهجير الشعوب وقمع كل من له نفس معارض، فوقع العديد من هؤلاء المثقفين في ازدواجية المواقف الفاضحة ولا سيما في الثورة السورية حينما يسوغ التدخل الروسي والإيراني إلى جانب النظام ومن يقف إلى جانب الشعب السوري هو متآمر وإمبريالي، ليصبح بذلك قتل وتهجير الشعب السوري شيئًا ثانويًا برأيهم، وأن ما يهمهم هو الحفاظ على مشروع “المقاومة والممانعة”([21]). وأنَّ ما حدث من حراك هو تمرد لأنه خرج من المساجد ما يجعله بعيدًا عن الثورة التي يجب أن تخرج من المقاهي والشوارع والمنتديات، الأمر الذي يجعل نظام الأسد “المنتخب” شرعيًا وله الحق في مواجهة هذا التمرد وأن من يقف معه هو متآمر مع الإسلاميين بحسب المنظور الذي تبناه أدونيس([22]).

  • الموقف الانتهازي: وهذهِ الفئة من المثقفين التزموا الصمت عند إطلاق الثورات بانتظار أن ترجح الكفة لأحد حتى يتم إعلان مواقفهم إلى جانب الطرف المنتصر([23])، أو يكون موقفًا رماديًا متأرجحًا ما بين التأييد والمعارضة لهذا الطرف أو ذاك انطلاقًا من البحث عن مساحة ملائمة لتحقيق المكاسب([24]). متغافلًا أنَّ مواقف المثقف الحقيقي لا تتناسب والحياد حين يجد الصراع بين الحق والباطل.

أزمة المثقف في ظل الثورات

     مثلما شكلت الثورات العربية اختبارًا قاسيًا للمثقفين العرب في إحدى تجلياتها، فإنها شكلت انكشافًا قيميًا وأزمة كشفت زيف الادعاء الثقافي لهم في تجلٍ آخر، فظهرت ما يمكن أن نسميها أزمة المثقف العربي التي تمثلت بحالة الانكشاف الموقفي والقيمي والثقافي فعرّت الكثير من منتمي الفئة المثقفة ورموزها حينما أظهرت هذهِ الأزمة تناقضاتهم مع أيسر المسلمات الأبستمولوجية ورطائنهم الأيديولوجية وادعاءاتهم بالتمسك بشعار السعي لترسيخ قيم العصر الثقافية كالحريات العامة وحقوق الإنسان والديمقراطية([25]).

    وأدّى نجاح الثورات التونسية والمصرية واليمنية والليبية في الإطاحة برؤوس الأنظمة الحاكمة، إلى وضع المثقفين أمام مقتضيات الشأن العام لمجتمعاتهم ورؤيتها كما هي، بمشكلاتها التاريخية وطموحاتها وأحلامها. وهنا ظهرت تمايزات جديدة لمواقف وأنواع المثقفين، فظهر المثقف النقدي والأخلاقي المواكب للحراك الاجتماعي، وظهر المثقف الساعي لبث الثقافة الشعبية الهابطة، وهناك النوع الذي التزم الصمت في ظل هذا الحراك. وبالنسبة للثورتين السورية والليبية اللتين اتسمتا بطابع الكفاح المسلح، فقد ظهر إشكال أخلاقي أمام المثقف النقدي المؤيد للثورة، ومن جوانبه نقاش فكرة الظالم والمظلوم وتداعيات الكفاح المسلح على المجتمع وبنيته، وتواجه المثقف أيضًا مشكلة نقد السلوك اليومي للمظلوم وقد حمل السلاح وهذا أمر ضاغط نفسيًا، فصار المثقف أمام أزمة انحياز للحق وانتقاد سلبيات الجماعات الثورية المسلحة وأهمية التفكير بتحديد السلبيات والإيجابيات للمسار الثوري بغية نجاحها([26]).

     ولأزمة المثقف جانب آخر يتجلى بالتحولات التي طالت مواقف عدد من المثقفين العرب في مرحلة ما بعد الثورات التي وصلت حد التناقض في القول والفعل حينما انقلب حال بعضهم وتحول من ممثل لقيم الحرية والعدالة والتسامح إلى أداة أو معول في أيدي السلطات الحاكمة الجديدة، ويسوغون عنفها وقمعها وينظرون لسيطرتها على المجال العام على أنه ضروري، ولعل هذا الأمر بدا واضحًا في الحالة المصرية([27]).

   الجانب الآخر من أزمة المثقف يتمثل في التباس عدد من أصناف المثقفين العلمانيين من وصول عدد من التنظيمات الإسلامية إلى سدة الحكم عن طريق آلية الاقتراع العام، وأظهرت هذهِ الحالة عدم اقتناع هؤلاء المثقفين بثقافة الديمقراطية إلاَّ حين توصل الأحزاب والحركات العلمانية إلى سدة الحكم، ومسوغ ذلك أن الجماعات الإسلامية توظف الديمقراطية كتكتيك للوصول إلى السلطة، وأنها حركات رجعية تقود إلى تخلف المجتمعات، وهذا الصنف من المثقفين عملوا على شيطنة الحركات الإسلامية دون الفرز بينها ومن دون بذل أي جهد فكري من أجل محاورتهم ومناقشتهم على قاعدة الحجج والبراهين العقلية والمنطقية، حتى وصل الأمر إلى تحالف جزء منهم مع الأنظمة التسلطية ضد هذهِ الحركات. وبالمقابل انخرط مثقفو الحركات الإسلامية في التقاطب الأيديولوجي ووضعوا المثقفين الآخرين في سلة واحدة ووسموهم بالتخريب والعدمية، الأمر الذي وضع الجميع في حلقة مفرغة لا توصل إلى نتيجة تخدم المجتمع ووضعتهم في أزمة عميقة([28]).

     ومما يزيد تعقيد أزمة المثقف بروز فئة مثقفي الأنظمة الساقطة واغتنامهم للفرصة في محاولة منهم لممارسة دور مؤثر والحفاظ على مصالحهم، فظهرت التصنيفات القديمة من ليبراليين وماركسيين وإسلاميين لطرح أنفسهم مؤيدين للأنظمة الجديدة([29]).

     ومن هنا فقد أدَّى الربيع العربي إلى ظهور أزمة المثقف العربي وكشف فكرة ضعف الديمقراطية الأصيلة لدى كثير من المثقفين والنخبة حتى صار الدفاع عن قيم الحرية والعدالة أمرًا عارضًا ظرفيًا وليس انحيازًا ذاتيًا مبدئيًا لدى بعضهم([30]).

دور المثقف بعد انطلاق الثورات

    كل قضية أو حدث يمرُّ يمس حياة المجتمع والأمة يقتضي الحال فيه أن يتحمل المثقف مسؤوليته إزاءه ويؤدي ما يحتمه عليه واجبه مثقفًا، الأمر الذي ينطبق على ما يفترض أن يؤديه المثقف في مرحلة “الربيع العربي” من أدوار وواجبات، لعل أهمها:-

  • العمل على الخروج من الواقع الإقصائي وحالة الاستبداد والبيئة الحاضنة لنمط وحيد للإدارة السياسية والتحول إلى حالة من الانفتاح وقبول الآخر والاعتراف بتعدد الآراء وتباين المواقف وحرية التعبير، والفردية والجماعية، والانخراط في استنبات مرجعية سياسية جديدة مبنية على أسس ومبادئ حقوق الإنسان وثقافة التعدد وسيادة القانون والسلم المدني([31]).
  • الانخراط في حركية المجتمع والالتزام الثقافي أو السياسي بالقيم الكبرى التي تكمن وراء إنتاج شروط أحسن للعيش والحياة، والاعتماد على الفكر والسؤال والنقد مهارات وآليات تستثمر من قبل المثقفين بهدف بناء وعي أفضل بالوجود([32]).
  • تحمل المسؤولية والانخراط بشكل مباشر في الشأن العام وقضايا الأمة، والعمل على تصويب وتوجيه طاقات الشباب التي ساهمت بتفجير الثورات وتاهت فيما بعدها، وأن تكون مساهمة المثقف باجتراح الحلول الإبداعية التي يمكن البناء عليها، وأن يكون هناك استقلال فكري متكامل الأبعاد، حتى يكون النتاج الفكري للمثقف معلمًا جديدًا للثقافة في ماضيها وحاضرها وأحد أركانها الأساسية التي يشيد مستقبلها المتناسق والمسكون بشمولية الحياة وتكامل العناصر([33]).
  • أن يعمل المثقف على بلورة الذات من جديد ويسعى إلى صوغ مشروع إعادة النظر والتقييم ثم البناء وفقًا لمنطلقات مختلفة، وهو مشروع يأخذ المجتمعات إلى أفق أبعد من شروط اللحظة التاريخية وشروط الحاضر السياسي المكبلة، وضرورة ممارسة الثقافة بوصفها ضرورة حياتية، وأداء يضمن الإسهام في بناء جمالية تحررية تفاعلية تليق بمسار يبشر بتحرير الإنسان العربي من الأوهام وأولها وهم امتلاك الحقيقة([34]).
  • لابد حين الحديث عن “ربيع عربي” أن يرتبط ذلك بالحديث عن “ربيع للثقافة العربية” ومن أجل إنجاح الربيع العربي لابد من إحداث تغييرات جوهرية في الثقافة العربية التي تطغى عليها الموروثات القديمة وأفكار ما قبل الحداثة([35]). والارتقاء بالوعي المجتمعي ومواكبة التطورات المختلفة الحاصلة على الساحة العالمية .
  • أن يقوم المثقف بدوره الريادي في تحريك المجتمع وتوجيهه على المسار الصحيح، وأن يسعى بغية تنوير الفكر وبعث نهضة اجتماعية وثقافية وسياسية واجتماعية واقتصادية وتربوية تبشر بمستقبل عربي زاهر([36]).
  • دور المثقفين في التأكيد على طرح مشروع مستقبلي للأمة متحررًا من قوالب الماضي وقيود الواقع من دون التخلي عن قيم الأمة البناءة ومثلها الإنسانية، والتأكيد على الأسس المشتركة للمجتمعات العربية التي من الممكن أن تضمن وجود تكامل عربي شامل.
  • أن يكون للمثقفين دور مؤثر في بناء ثقافة النهضة لدى المجتمعات العربية التي استطاعت اجتياز مرحلة التخلص من الأنظمة الاستبدادية، حتى تتمكن من إحداث الإصلاحات الثقافية والاجتماعية المطلوبة، والعمل على إحداث نقلة ثقافية تعيد للفرد العربي وعيه ومسؤولياته([37]).
  • حماية الأمن الثقافي للمجتمعات العربية من خلال الحفاظ على القيم والهوية العربية في ظل تنامي تأثير ظاهرة العولمة وأهمية الاستفادة مما تقدمه من وسائل مادية يمكن الانتفاع بها في تطوير المجتمعات من جهة، وتنوير الرأي العام بضرورة عدم الانجراف وراء ما تحمله من قيم وسلوكيات تتنافى وقيمنا العربية الأصيلة من جهة أخرى.

لتحميل المقال من هنا

 

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز برق للاستشارات والدراسات المستقبلية 

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للاستشارات والدراسات المستقبلية © 2018

المصادر والهوامش

[1]– خليل العناني، مأزق المثقف العربي بين الثورة والسلطة، جريدة الحياة، 7/1/2014.

[2]– غزلان هاشمي، المثقف العربي: الإمكان المفقود ورهان التغيير، الرابط : http://www.alrafedein.com/

[3]– عزمي بشارة، عن المثقف والثورة، مجلة تبين، العدد 4 ، (2013) ، ص 16 .

[4] – خالد سليكي ، مثقفون أم مضاربون ، الرابط: http://www.alnoor.se/article.asp?id=56402

[5]– رشيد الحاج صالح، تفاعل المثقفين مع الثورة السورية بين الواقع والمأمول (إسطنبول : معهد العالم للدراسات ، 2017) ، ص 10 .

[6]– فيصل العش، المثقف العربي تنوع عقيم، مجلة الاصلاح، العدد 108، (2016)، ص 15 .

[7] – آمال قرامي، “أي دور للمثقفين بعد “الثورات العربية””، مجلة أفق، العدد 27 (2013)، ص 4 .

[8]– ملحق الخليج الثقافي، مخاوف المثقف العربي بين انتكاسة “الربيع” وصعود التطرف، الرابط: http://www.alkhaleej.ae/supplements/page/40bf306f-2193-4044-bde4-b04d0c156956

[9]– أبو بكر العيادي، المثقف العربي والفعل التاريخي، صحيفة العرب، 15/2/2015، ص11 .

[10]– ملحق الخليج الثقافي، هل استشرف المثقف الثورات العربية؟، الرابط: http://www.alkhaleej.ae/supplements/page/da3b9b49-aeee-438d-903f-af08d26090d5

[11]– حمزة المصطفى، المثقف العربي ومراحل التحول التاريخي، الرابط : http://cutt.us/cG0ZL

[12]– انظر مثلاً: -مروان خورشيد عبدالقادر، –رشيد الحاج صالح، مصدر سبق ذكره، ص18-28 .

[13]– عزمي بشارة، مصدر سبق ذكره ، ص 20 .

[14]– الحسن حما، التغيير والنهوض في العالم العربي، (اسطنبول: مركز برق للبحوث والدراسات، 2016)، ص 10 .

[15] – عبدالله السلامي، “المثقفون في تونس قبل الثورة وبعدها .. اصطفاف الثقافة والسياسة”، مجلة الفيصل، العددان 473-474 (2016)، ص 70 .

[16]– رشيد الحاج صالح، مصدر سبق ذكره، ص 18 .

[17]– الحسن حما، مصدر سبق ذكره، ص 10 .

[18]– معاذ بني عامر، المثقف العربي وأسطورة قرن الثور، الرابط : http://cutt.us/DMyQe

[19]– أحمد يعقوب، عن المثقفين والتحولات العربية الكبرى، الحياة الجديدة، العدد 6428، 25/9/2013 .

[20]– محمد بوعزة، المثقف والثورة، متاح على الرابط : http://www.jadaliyya.com/pages/index/2108/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AB%D9%82%D9%81-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9

[21]– ساري حنفي،  أزمة اليسار ما بعد – الكولونيالي : نحو مقاربة ما بعد استبدادية، ص5، الرابط : http://aljumhuriya.net/35345?print=pdf

[22]– انظر: – عادل الطريفي، الطائفية في سوريا .. بين أدونيس وعجمي، الرابط : http://www.14march.org/news-details.php?nid=MzI3NjYw

– منار ديب، المثقف الطائفي في العراء، الرابط : http://cutt.us/Dy3Bk

[23]– حواس محمود، صمت المثقف العربي، صحيفة العرب، العدد 9392، 27/11/2013 .

[24]– صبحي موسى، محنة المثقف في زمن الثورات العربية، الرابط : http://cutt.us/a6SJd

[25]– نبيل البكيري، أزمة المثقف العربي، الرابط : http://cutt.us/Ad94z

[26]– أيمن نبيل، عن المثقف العربي والحرب، الرابط : http://www.djazairess.com/akhbarelyoum/152783

[27]– خليل العناني، مصدر سبق ذكره .

[28]– عصام العدّوني، المثقفون وحلم التغيير : إضاعة الفرص أم تحول الأدوار؟، الرابط : http://cutt.us/eWVV6

[29]– انظر: سعيدي محمد، المثقف والسلطة والحراك الاجتماعي في الوطن العربي، متاح على الرابط : http://cutt.us/gUidQ

[30]– خليل العناني ، مصدر سبق ذكره .

[31]– محمد نور الدين أفاية، “حول أداء المثقفين في معمعة الأحداث: ملاحظات وتساؤلات” ، مجلة المستقبل العربي ، العدد 415 ، (بيروت: 2013)، ص 113 .

[32]– محمد نور الدين أفاية، مصدر سبق ذكره، ص 112 .

[33]– مصطفى الحمزة، مصدر سبق ذكره .

[34]– آمال قرامي، مصدر سبق ذكره، ص 4 .

[35]– سالم نزال، أين المفكر العربي؟، الرابط : http://www.akhbar-alkhaleej.com/12919/article/40699.html

[36]– سعيدي محمد، مصدر سبق ذكره .

[37]– انظر: صالح بالعيد، مصدر سبق ذكره، ص27-28 .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق