الاصداراتمتفرقات 1مقال رأي

الربيع العربي: هل هو طفرة أو ثورة؟

الربيع العربي 2 (1)

 
مقاربة زمانية ومكانية للقوى المجتمعية في عالمنا العربي
إن معرفة القوى المجتمعية في أي بلد من بلدان الربيع العربي تفترض وجوباً المقاربة التاريخية المكانية والزمانية لوجودها وحركتها وسيرورتها، وما يتصل بها من خصائص الشعوب وسماتها، وأن تكون هذه المقاربة القولية والتفكرية التي ننسج معينها الفكري متناسلة من وحي الواقع والسعي لفهمه ومعرفة قدرات الذات المتفاعلة مع ذات الآخرين.
منصتها تفكيك حركة الواقع وتفاعلات المجتمع البينية، والتي قوامها الوعي الجمعي المجتمعي المتجلية بالنخب الفكرية والثقافية، والسياسية المتلاحمة مع طبقات الشعب كافة وهي مُقاربة رابطة ما بين ماضي تراكمي، وتسجيل لحقبة زمنية عابرة تعود إلى متن التاريخ العربي الحافل بخطوات الإقدام وهي قليلة والإحجام وهي كثيرة. ويُقاس عليها في جس نبض الربيع العربي الحالي وما آل إليه من واقع ووقائع.
لقد ولَّت عهود الشورى في تاريخ العرب والمسلمين التي كانت تسير وفق تعاليم النبي العربي محمد صلوات الله عليه وسلم وتوجهاته، بما هي عليه في مرحلة الخلفاء الراشدين الموصولة بأولي الرأي والشأن المجتمعي من أصحاب العقد والحل والمشورة، حينما استبدلت قواعد الخلافة وصوابية الرأي وحسن القرار وسلامته بالنسبة لاختيار الحاكم وسواه، وتخلى العرب المسلمون ومن تبعهم في ممالكهم عن مبدأ الشورى في الإسلام. وكانت الحقب الأموية والعباسية والعثمانية وما بينهما على أهميتها، وسعة نفوذها وفضلها على الإسلام والمسلمين وازدهارها الفكري والثقافي والاقتصادي والاجتماعي والديني والدعوي واتساع رقعتها الجغرافية التي تشمل قوميات وأعراق مختلفة، كبنى ومقوميات دولة وإمبراطورية عربية وإسلامية مترامية الأطراف. خاضعة لمبدأ التغيير الجوهري في نمط الحكم وتداعياته وتجلياته، والتي أسقطت قيادتها الأموية من حسابها تعاليم النبي محمد صلوات الله عليه والخلفاء الراشدين مبدأ الشورى، وقوله تعالى: ” وأمرهم شورى بينهم” واستبدالها بأنظمة حكم وراثية متناقلة عبر الأبناء والأحفاد، مؤسسة لنظم حكم وفق مشيئة أصحاب العقد والربط والإرادة الحاكمية التابعة والموالية للحاكم ورغباته، وتوظيفها وفق مصالحه الضيقة في أساليب معروفة ومشهودة في يوميات تلك الدول سالفة الذكر ومستمرة في عالمنا العربي في شكل ممالك وإمارات وجمهوريات خادعة للحريات. وعاش المواطن الفرد في ظلالها بما اتيح له من سبل العيش بلا مشاركة أو مسؤولية في اختيار ممثليه وولاة أمره، وبقي الحال سارياً حتى في ظلال الحقب الأوروبية الاستعمارية. الحقبة الاستعمارية التي فتّحت عيون عامة الشعب العربي والمسلم وخاصته بما يجري من حوله في النظام المجتمعي الأوربي الاستعماري والتنويري، سواء تأتَّت بالمعايشة اليومية والاحتكاك المباشر أو السفر والترحال والتجارة وحوار الثقافات أو عبر مطالعات الكتب، وتلمس طرائق سلوكهم وتفكيرهم ونظرياتهم وسبل تطبيقها وممارستها في أرض الواقع، ورصد يوميات واقعهم المجتمعي المحققة لنوع من العدالة الاجتماعية والحقوق القانونية والمدنية المحفوظة لجميع مواطني تلك الدول والمساهمة الجادة في رسم معالم الدولة، وقدرة مواطنيهم على اختيار ممثليهم في البرلمانات وسواها من مؤسسات اجتماعية أو تربوية أو اقتصادية أو حقوقية أو تربوية. وكان للاحتكاك اليومي للنخب العربية الفكرية والدعوية مع سلطات الاحتلال والانتداب الفرنسي والبريطاني والإيطالي أو منافذ الاستشراق الأوربي ومعابره، فرصة مناسبة لإحداث ولادة ثقافة ومناهل وعي عربية إسلامية شبه قيصرية، تسعى لنسج معالم رؤى ورؤيا جديدة في تجليات الوجود والحياة الأفضل لمجتمعاتنا العربية والإسلامية.  ومن هؤلاء المجتهدين من مفكرين وفلاسفة وعلماء ودعاة دين ومتعلمين من فئات من شعوبنا العربية كافة، أمثال: ” رفاعة الطهطاوي، وخير الدين التّونسي، وبطرس البستاني، وعبد الرحمن الكواكبي، ومحمد عبده، وجمال الدين الافغاني، ومحمد عبد الوهاب وسيد رضا” الذين سلكوا دروبهم المرصوفة بمعابر ثقافة أسميها في مجاز القول: “فلسفة الانتقال بالعدوى” تارة أو “فلسفة تقنيات التعلم المُستعار” تارة أُخرى وهي الآليات التي أسست لبروز فكر النهضة العربية الإصلاحي منذ نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وطرح أفكار ونظريات ورؤى متجددة في لغة الخطاب العربي الثقافي منه والسياسي والدعوي الاجتهادي، وتعددت منابره وأيدولوجياته العقدية والاعتقادية. واستمرت مفاعيلها ما بين صفوف النخبة العربية العائلية الارستقراطية والمتعلمة، فكانت مُؤثرات مثل هكذا نخب مستمرة مع مرحلتي الانتدابين الفرنسي والبريطاني وما بعد الاستقلال الشكلي للعربي مروراً بخمسينيات القرن الماضي وحتى يومنا الراهن، نذكر منهم على سبيل التذكرة: ” ساطع الحصري، زكي الأرسوزي، محمد عزة دروزة، ميشيل عفلق، أنطون سعادة، قسطنطين زريق، جورج حبش، سيد قطب، مهدي عامل، سمير أمين، ياسين الحافظ، جورج طرابيشي، محمد أركون، علي حرب”. كانت كتاباتهم وحركاتهم وأتباعهم من نُخب في سياقاتها الطبيعية تُمثل قدوة، وطليعة تحررية مؤهلة في حينها وقادرة على التأثير ولعب الدور والوظيفة المنوط بها في تعبئة وتحشيد حركة الجماهير العربية الشعبية وتنظيمها، وتوعيتها كطبقة راشدة لواقعها وتساعد عامة الناس في محددات خياراتها الديمقراطية، والمتحررة من القيود وتُبصرهم بماهية دورهم المجتمعي عبر المشاركة الفاعلة في آليات الحكم والانتخابات البرلمانية وسواها. وبالتالي تأهيلهم لاختيار ممثليهم ليكونوا أعضاء منتخبين في مجالس الشعب المنتخبة، كمقدمة طبيعية وقانونية على طريق الرأي الحر وقدرته في التأثير والمساهمة بشكل أو بآخر تشكيل نواة الدولة والحكومة والرئاسة بأن معاً. ومن خلال آليات ديمقراطية والتي لا غلو فيها ولا إفراط ولا عدوانية أو كيدية، ومتناسبة مع واقع الحال الديمقراطي الانتخابي بلا مداهنة أو مواربة أو تغطية للأخطاء والفساد والفاسدين. نخب كانت جامعة لمفاهيم الانحياز للوطن والمواطنة والكرامة الإنسانية واحترام العقائد والأفكار وحرية اتخاذ القرار.
 
لتحميل المقال من هنا

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق