الاصداراتترجمات

أي مكان لأوروبا في النظام العالمي الجديد؟

تتلاشى القوة الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية ببطء، وفي نفس الوقت لا تزال الهيمنة المعلنة للصين غير مؤكّدة، كذلك وفي الوقت الذي يجب فيه اختراع قواعد جديدةٍ للعبة الاقتصادية فإنّ بيد أوروبا ورقةً للعب. فنحن الآن نعيش في فترةٍ لا مثيل لها ومن الضروري في هذه الفترة جمع أجزاء اللغز لفهمها.

الكثير من الضوضاء؛ ولا شيء! والصين لم تفِ بوعدها بخفض العجز التجاري بينها وبين الولايات المتحدة:

هذا ما يمكن استنتاجه عند النظر إلى إحصاءات التجارة بين الصين والولايات المتحدة، فحسب الأرقام الصادرة عن الإدارة الأمريكية، عندما نقارن بين أرقام النصف الأول من عام 2019 مع أرقام نفس الفترة من عام 2018 فإننا نرى أنّ واردات الولايات المتحدة من الصين قد ارتفعت من 250 مليار دولار في 2018 إلى أكثر من 260 مليار دولار بقليل في عام 2019.

ومع ذلك فقد انخفضت الصادرات الأمريكية إلى الصين قليلًا: 64 مليار دولار في النصف الأول من عام 2018 مقابل 61 مليار في الفترة نفسها من عام 2019، إذًا كان هناك الكثير من الضجيج من أجل لا شيء، الأمر الذي يفسّر الغضب المتكرّر للرئيس الأمريكي، ذلك لأن الصين عندما وعدت بتخفيض العجز التجاري بين البلدين لم يحصل ذلك على أرض الواقع.

إذً تستمر الصين بدعم صادراتها إلى الولايات المتحدة وبشدّة، مع الحرص على إضافة ما هو مطلوب لمحو تأثير التعريفات الجديدة، وهي في نفس الوقت تقدّم الوعود فقط وتقوم ما أمكنها بدعم اقتصادها بدون أن تفقد الأسواق الأمريكية.

تجدر الإشارة كذلك إلى أن جزءًا كبيرًا من الصادرات الصينية يأتي أصلًا من شركاتٍ أمريكية موجودة في الصين، من هنا يتوجب الانتباه أنّ في هذا الأمر منفعةٌ متبادلة، حيث لن تقوم كوالكوموأبل بنقل خطوط التجميع بما في ذلك المقاولين والسماسرة المحليين المؤهلين للعمل بشكلٍ متكامل.

ثمّ يأتي ترمب ليهدّد ويثير العواصف وينفجر في حين أنه على العالم كلّه أن يعرف أن هذا الرجل يصرخ بصوتٍ مرتفعٍ أكثر مما يُمارس العَض.

فهل سيكون هناك ترحيل للشركات؟ هكذا يعلنون وينشرون ولكن لا شيء على المدى المنظور، هل يعني ذلك أن كل ما يحدث مجرّد استعراض؟ الشيء الوحيد الذي له أهميةً حقيقيةً في كل ما يتم الإعلان عنه هو أن جميع الدول المتقدمة تمنع الصين من الاستحواذ على شركات التكنولوجيا الفائقة.

إذا كان هناك حديثٌ عن حقوق الإنسان والتمييز في استخدام التقنيات فسيكون هذا أمرٌ آخر، الآن يُقال أنّ مرض لحم الخنزير سبّب زيادةً في أسعار اللحوم، والصين اليوم تلفّ أذرعها في هونغ كونغ وترتطم بسقفٍ زجاجي، وسعر هواوي سيتغير ويتراجع سعر اليوان ويرتفع سعر النفط، لكن هل هذا كلّه أساسي في هذه المرحلة؟

في الوقت الحالي لا يوجد أي منافسٍ للرئيس الصيني يمنعه من شغل فترة ولايةٍ ثالثة، لكن المنطق يحتّم عليه أن يبدأ في البحث عن خليفةٍ له، إذًا هذا ما تعمل عليه الصين.

عالم فاقد للحس:

يقول المثل الصيني: إذا كانت مشكلتك غير قابلة للحل عليك حينها أن تنظر إلى نفسك في المرآة. كيف يتم حلّ المشاكل وفي الولايات المتحدة يوجد أشجارٌ عالية تخفي وراءها غابة كبيرة، هناك الأوربيون الذين قاموا بعمليات تملكٍ للشركات باتوا يدركون أنهم اشتروا شركاتٍ ذات كوادرٍ لا يمكن طردهم ويتقاضون رواتب رؤساء.

إذًا هذا كلّه له تأثيرٌ سلبي على القدرة التنافسية وسيتعين على الولايات المتحدة العودة إلى سابق عهدها فلديهم قارةٌ يمكنهم الانفتاح على العالم من خلالها وهي أمريكا اللاتينية.

سعر النفط يرجع فقط إلى تقارب الإرادة السياسية:

من يقوم برحلةٍ إلى أفريقيا، سيرى أنه في غرف العبور التابعة لشركة الخطوط الجوية الإثيوبية أو محور الخطوط الجوية الكينية ثلثي المسافرين صينيون، البعض يقول أن الأمر قد تغير الآن لأن الصين قلّلت تمويلها في أفريقيا عما كان عليه في الماضي، لكن السبب الحقيقي وراء ذلك هو أن بعض هذا التمويل كان يُستخدم في إنشاء علاقاتٍ اقتصاديةٍ وهذا ما لم يعد له حاجة اليوم لأنّ العلاقات التجارية القوية قد أُقيمت بالفعل.

الأفارقة يعلمون جيّدًا أن الأمر برمّته أخذٌ وعطاء وبالتالي مكاسب، لكن الأوربيين والأمريكيين تركوا الأخذ والعطاء وتخلّوا عن أفريقيا دونما قتال، ففرنسا العالقة في إنفاقها الاجتماعي لم يعد لديها الوسائل ولا حتى رجال الأعمال كما الألمان الذين لا يرون أبعد من حساباتهم السنوية، وفي نهاية الأمر قالها الفرنسيون صراحةً أن السوق لم يعد مربحًا كفاية.

قلق روسي:

“روسيا سوف تتعافى بسبب امتلاكها للنفط” هذا ما قيل في أوائل التسعينات، ولكن اليوم ماذا يتبقى من روسيا إن تمّ سحب كلّ هذا السائل الثمين؟

الخطر هائل لأنّ سعر النفط يرجع فقط إلى تقارب الإرادة السياسية، وهذا أصبح واضحًا أكثر لأنّ اللاعبين الأساسيين مثل إيران وفنزويلا وليبيا لم يعد لهم وزنٌ، ولكن إذا عادوا فسوف ينهار سعر النفط ولن يحتاج العالم بعد الآن إلى مصالح سلبية، وسيتعين على روسيا حينها أن تتعاون مع أوروبا إذا أرادت ألا يتقلّص دورها إلى دور موزمبيق أو أنجولا كموّردٍ للنفط إلى الصين.

ماذا عن أوروبا:

“يجب أن يكون لأوروبا دبلوماسيةً وجيش من المحيط الأطلسي إلى جبال الأورال” كما قال الجنرال _ديغول_، ويجب أيضًا إزاحة العديد من العقبات أولًا، وكذلك سيتعين رفع مخالب الدب وأن يتغلب الآخرون على خوفهم، وقبل كلّ شيء ينبغي أن يكون لأوروبا دبلوماسية وجيش.

“برنامج واسع” كما قال الجنرال مرةً أخرى، على هذا النحو فرنسا لا تستطيع وألمانيا لا تريد، إذًا من سيشرح لبرلين أنّه لبناء صناعةٍ رقمية يجب أولًا أن يكون لديها قواتٌ مسلّحة مهمّة وقويّة؟

الألمان اليوم أول وأفضل زبائن التقنيّات الأساسية، ذلك لأنّهم لا يزالون تحت الوصاية، ولكن ألا يجب العودة إلى أساسيّات ألمانيا؟

هذا لم يكن ليحصل إلا في زمن الامبراطوريّة المقدّسة والتي كانت تسمّى (Keinstaateri)_مصطلح ألماني مُزعج يُستخدم للدلالة على التشرذم الإقليمي في ألمانيا خلال الإمبراطورية الرومانية المقّدسة_.

جان بيير فيكيت لصحيفة لوفيغارو 18 أيلول/سبتمبر 2019

الرابط

https://www.lefigaro.fr/vox/monde/quelle-place-pour-l-europe-dans-le-nouvel-ordre-mondial-20190918

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر برق للسياسات والاستشارات

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2019 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق